حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
508
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
منبه على ما قلنا ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم علقهم بين الأمرين ، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال : كل ميسر لما خلق له . يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر ، وكذا القول في باب الرزق والكسب . والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم . ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد . فلعل اللّه تعالى قد جعل دعاء العبد سببا لبعض مناجحه . فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه ، ولم يكن شيء من ذلك خارجا عن قانون القضاء السابق وناسخا للكتاب المسطور . ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار ، والإقرار بسمة العجز والافتقار ، وتصحيح نسبة العبودية ، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني ، والإفلاس عن ذروة الترفع ، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة ، والحاجة والفاقة ، ولهذا ورد « من لم يسأل اللّه يغضب عليه » « 1 » فإذا كان الداعي عارفا باللّه تعالى وعالما بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره ، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة ، راجيا فيما عند اللّه من الخير ، خائفا من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة ، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج ، كان دعاؤه خليقا بالإجابة وجديرا بالقبول وأن تعود بركته عليه قال صلى اللّه عليه وسلم « ما من رجل يدعو اللّه بدعاء إلا استجيب له . فإذا أن يعجل له في الدنيا ، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل » قالوا يا رسول اللّه وكيف يستعجل ؟ قال : « يقول دعوت ربي فما استجاب لي » « 2 » وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه » « 3 » وعن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « سلوا اللّه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم » « 4 » وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 443 ، 477 ) . ابن ماجة في كتاب الدعاء باب 1 . بلفظ « من لم يدع . . . . . » . ( 2 ) رواه الترمذي في كتاب الدعوات باب 114 . الموطأ في كتاب القرآن حديث 36 . أحمد في مسنده ( 2 / 448 ) . ( 3 ) رواه الترمذي في كتاب الدعوات باب 65 . أحمد في مسنده ( 2 / 17 ) . ( 4 ) رواه أبو داود في كتاب الوتر باب 23 .